محمد بن جرير الطبري
83
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
لو أنشِد قصيدة شعرٍ من أشعار بعض العرب ذاتَ أمثالٍ ومواعظ وحِكم : " اعتبر بما فيها من الأمثال ، وادّكر بما فيها من المواعظ " - إلا بمعنى الأمر لها بفهم كلامِ العرب ومعرفتِه ، ثم الاعتبار بما نبهها عليه ما فيها من الحكم ( 1 ) . فأما وهي جاهلة بمعاني ما فيها من الكلام والمنطق ، فمحالٌ أمرُها بما دلَّت عليه معاني ما حوته من الأمثال والعِبَر . بل سواء أمرُها بذلك وأمرُ بعض البهائم به ، إلا بعدَ العلم بمعاني المنطق والبيان الذي فيها . فكذلك ما في آي كتاب الله من العبر والحِكم والأمثال والمواعظ ، لا يجوز أن يقال : " اعتبرْ بها " إلا لمن كان بمعاني بيانه عالمًا ، وبكلام العرب عارفًا ؛ وإلا بمعنى الأمر - لمن كان بذلك منهُ جاهلا - أنْ يعلم معاني كلام العرب ، ثم يتدبَّره بعدُ ، ويتعظ بحِكمَه وصُنوف عِبَرِه . فإذْ كان ذلك كذلك - وكان الله جل ثناؤه قد أمر عباده بتدبُّره وحثهم على الاعتبار بأمثاله - كان معلومًا أنه لم يأمر بذلك من كان بما يدُلُّ عليه آيُه جاهلا . وإذْ لم يجز أن يأمرهم بذلك إلا وهُمْ بما يدلهم عليه عالمون ، صحَّ أنهم - بتأويل ما لم يُحجَبْ عنهم علمه من آية الذي استأثر الله بعلمه منه دون خلقه ، الذي قد قدّمنا صفَته آنفًا - عارفون . وإذْ صَحَّ ذلك فسَدَ قول من أنكر تفسيرَ المفسرين - من كتاب الله وتنزيلِه - ما لم يحجب عن خَلقه تأويله .
--> ( 1 ) في المخطوط والمطبوع : " نبهه عليه " ، وهو لا يستقيم لاضطراب الضمائر . وقد أعاد الطبري ضمائر هذه الجملة مرة على " بعض " من قوله " بعض أصناف الأمم " فذكر وأفرد . وذلك قوله " أنشد . . واعتبر . . وادكر " . ثم أعاد الضمير في سائر الجمل على " أصناف الأمم . . " فأنث وجمع ، وذلك قوله " نبهها . . وهي جاهلة . . فمحال أمرها . . " .